Mellanöstern och Nordafrika Tidningen
Published On: Wed, Jun 17th, 2015

…إذا كان الإيمان يمان، إذًا

في السادس و العشرين من مارس، أمر وزير الدفاع السعودي حديث التعيين ذو التسعة و عشرين ربيعا بالبدء في عملية قصف لليمن خلفت –حتى هذه اللحظة- آلاف القتلى من اليمنيين، و دمرت جزء كبير من البنية التحتية –المحدودة أصلا- بالبلاد، تاركة اليمن بلا كهرباء، و وضعت الملايين من الرجال و النساء و الأطفال اليمنيين بدون مياه نظيفة أو طعام أو رعاية طبية. هذه ليست أحد ألعاب الفيديو، و لكنه استخدام قاس و غير إنساني للثروة لتدمير (بلد) جار باستخدام أكثر الأسلحة تعقيدا، و التي أمكن لملايين الدولارات من ريع النفط أن تشتريها. مصنعي هذه الأسلحة يبتسمون الآن، و أصوات احتفالاتهم بكئوس الشراب يمكن سماعها في أغلى الفنادق.

Air strike in Sana'a on 11 May, 2015 (photo: Ibrahem Qasim)

Air strike in Sana’a on 11 May, 2015 (photo: Ibrahem Qasim)

كفى سياسات أيديولوجية بالوكالة، و كفى لوما للحوثيين كما لو أنهم مجموعة من السفاحين الإرهابيين المدربين من قبل إيران. إذا كان السعوديون يعتقدون بحق أن إيران هي عدوهم الأكبر، فليرسلوا بمقاتلاتهم إلى إيران، و هناك على الأقل سيقابلون عدوا بإمكانه مجابهتهم كالأنداد. إن اليمن لا يشكل تهديدا لا للسعودية و لا لأي دولة في الخليج العربي. اليمن هو أفقر دول المنطقة، و بالكاد يقيم أوده من خلال صادرات محدودة للنفط و الغاز. سكان اليمن هم بالفعل مسلحين بشكل واسع بالأسلحة الصغيرة، و لكن ترسانتهم العسكرية تكونت في معظمها من دبابات سوفيتية قديمة و عدد قليل من الطائرات تم تدميرها الآن. نظرة إلى التاريخ توضح أن اليمنيين لم يهاجموا أبدا الدولة السعودية الوليدة، و لكن بالتأكيد كان ابن سعود هو من سيطر بالقوة على منطقة عسير، و ضم مناطق جازان و نجران و التي كانت تحت سيطرة الإمامة الزيدية المجاورة. القبائل في هذه المناطق كانت على صلات وثيقة بالقبائل اليمنية في الجنوب و ليس بالبدو في نجد. و في 1934 احتلت القوات السعودية مدينة الحديدة و هددت بالسطو على التجار الهنود المحليين، و الذين كانوا تحت الحماية البريطانية لحسن الحظ. أدت هذه الغارة السعودية إلى مجاعة في صنعاء و التي كانت وجهة القوات السعودية، و لكنها ووجهت بمقاومة شديدة من قبل قوات الإمام الزيدي. نفس الأمر يتكرر الآن بعد حوالي 80 سنة، و لكن هذه المرة لا أحد يحمي اليمنيين إلا أنفسهم.

الأزمة الإنسانية الفادحة تغطي على أي مبرر لاستمرار قصف اليمن. إن المفارقة اللغوية في حرب من جانب واحد سميت “عملية عاصفة الحزم” تستحق وقفة؛ فقد كانت عاصفة دمار و خراب، تسونامي على الشعب اليمني، إعصار فاق التوقعات، و لكنها لم تكن “حازمة” بأي شكل من الأشكال. بعد شهرين و نصف من القصف المتواصل، و شلل تام للاقتصاد اليمني من خلال حصار غير شرعي لا يسمح حتى بالمساعدات الإنسانية، فإن الهدف المزعوم للقصف لم يبارح مكانه، بل انه حصل على تعاطف في مناطق الشمال أكبر بكثير مما كان ليحصل عليه في ظل ظروف مختلفة. الجزء الجنوبي من اليمن الآن تسيطر عليه بشكل كبير جماعات تنتمي لـ”أنصار الشريعة” -أحد أشكال تنظيم القاعدة- أو متعاطفة معهم، مما يجعل اليمن أرضا أكثر خصوبة للإرهاب عما كانت عليه من قبل (عندما كان الحوثيون يحاولون تخليص البلاد من إرهاب القاعدة). هذه حرب بلا مخرج استراتيجي منذ البداية، و بدون نهاية حقيقية تلوح في الأفق. المال لا يستطيع أن يشتري بعض الأشياء، إلا أن هذه الحرب مستمرة في شراء كراهية عميقة لا يبدو أنها ستختفي في وقت قريب.

و يبدو العالم متبلدا و كأن خسارة الأرواح و التدمير التام في اليمن لا تعني أي شيء! هل يجب أن يرتفع عدد القتلي إلى عشرات الآلاف حتى ينال الاهتمام؟ هل يجب أن ننتظر مؤرخي المستقبل ليدونوا كم كانت عبثية هذه الحرب الجوية؟ أين هو قلق الزعماء الغربيين الداعمين بما قيمته المليارات من الأسلحة و الدعم المخابراتي و السفن الحربية لمساعدة حرب لا يستطيع أي إنسان عاقل أن يقول أنها تحقق أي شيء؟ ماذا حدث لمبادئ حقوق الإنسان المزعومة في الوقت الذي يعاني تقريبا كل الشعب اليمني، و هم من البشر، من الحرب و الحصار؟ هل تعتقد الولايات المتحدة حقا أن بإمكان السعوديين إعادة تنصيب شخص كان غير قادر على حكم اليمن، و هو الآن لا ينظر إليه إلا باعتباره دمية بأيدي السعوديين؟ أي رمضان هذا الذي ينتظر اليمن، و هو الشهر الذي أعلنه النبي محمد شهرا مقدسا و شهرا للهدنة؟ أم أن مكة الآن، بدلا من أن تنتصر للمباديء التي أسست الإسلام كواحد من أعظم الأديان، هي فقط مكان للفنادق الفخمة و محلات للتسوق التجاري؟

أنا لا أكتب هذا ضد السعوديين، ذلك المجتمع الحيوي المتنوع بأكثر مما قد تبرزه وسائل الإعلام، و لكني أكتب ضد أيديولوجية سياسية فاشلة تعمق من التوتر الكائن في العالم الإسلامي بدلا من أن تجمع المسلمين سويا. كل من يكره الإسلام سعيد الآن برؤية السنة و الشيعة في احتراب يسقط القتلى على الجانبين. الضرر الحادث لصورة الإسلام الآن حول العالم من خلال هذا العنف الطائفي المميت هو أكثر من أي ضرر قد تحدثه سيطرة استعمارية أو مستشرق متحامل على الإسلام. هناك درس تاريخي يمكن استحضاره هنا، فعندما ضربت موجة الإصلاح البروتستانتي أوروبا، و هي لفظة ذات مفارقة لغوية أخرى خارج السياق الديني، كانت النتيجة على الأرض كارثية باحتراب البروتستانت و الكاثوليك كما لو كانت أفكار المسيح كصانع سلام لم توجد. السياسة هي التي تحكمت وقتئذ و ليس الدين.

هؤلاء المتحيزون في هذه الحرب يحتاجون لقراءة سيرة النبي محمد الذي فتح مكة بعد منفاه في المدينة بدون إسالة حمامات من الدماء، بل ان الذين لقوا حتفهم في القتال المحدود كانوا بضعة عشر من غلاة قريش. يقول النبي محمد في أحد أحاديثه أنه ليس لأحد أن يعلن الحرب في مكة من بعده و أنه وحده من امتلك هذا الحق، و هو الحق الذي لم يستخدمه بالمناسبة (صحيح البخاري، جزء 5  كتاب 59 رقم 603). هناك حديث آخر أكثر ملاءمة للصراع الحالي و ذلك عندما قال النبي محمد أن “الإيمان يمان”. قد تكون هذه قراءة غير مريحة لهؤلاء الذين يتلاعبون بالإسلام لدعم مصالحهم العائلية معتقدين ان حياة الرفاهية هي منحة إلهية، و لكن هاك كلام الرسول كما يرويه أبو هريرة: “أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً، الإيمان يمان والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل (أي البدو)، والسكينة والوقار في أهل الغنم” (رواه البخاري).


قام بالترجمة: أحمد عبد المعز

About the Author

- Anthropologist and historian with 40 years of experience researching and working in Yemen. Varisco is currently the President of the American Institute for Yemeni Studies, a Senior Postdoctoral Scholar at the Institute for Social Anthropology at the Austrian Academy of Sciences, and an expert advisor to MENA Tidningen.

Leave a comment

XHTML: You can use these html tags: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>